ابن الجوزي
312
زاد المسير في علم التفسير
ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ( 61 ) قوله تعالى : ( ومنهم الذين يؤذون النبي ) في سبب نزولها ثلاثة أقوال : أحدها : أن خذام بن خالد ، والجلاس بن سويد ، وعبيد بن هلال في آخرين ، كانوا يؤذون رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال بعضهم لبعض : لا تفعلوا ، فانا نخاف أن يبلغه فيقع بنا ، فقال الجلاس : بل نقول ما شئنا ، فإنما محمد أذن سامعة ، ثم نأتيه فيصدقنا ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أن رجلا من المنافقين يقال له : نبتل بن الحارث ، كان ينم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين ، فقيل له : لا تفعل ، فقال : إنما محمد أذن ، من حدثه شيئا صدقه ، نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا ، فنزلت هذه الآية ، قاله محمد بن إسحاق . والثالث : أن ناسا من المنافقين منهم جلاس بن سويد ، ووديعة بن ثابت ، اجتمعوا ، فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، فحقروه ، فتكلموا وقالوا : لئن كان ما يقوله محمد حقا ، لنحن شر من الحمير ، فغضب الغلام ، وقال : والله إن ما يقوله محمد حق ، وإنكم لشر من الحمير ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فدعاهم فسألهم ، فحلفوا أن عامرا كاذب ، وحلف عامر أنهم كذبوا ، وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق ، وكذب الكاذب ، فنزلت هذه الآية ، ونزل قوله [ تعالى ] : ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم ) ، قاله السدي . فأما الأذى ، فهو عيبه ونقل حديثه . ومعنى ( أذن ) يقبل كل ما قيل له : قال ابن قتيبة : الأصل في هذا أن الأذن هي السامعة ، فقيل لكل من صدق بكل خبر يسمعه : أذن . وجمهور القراء يقرؤون ( هو أذن قل أذن ) بالتثقيل . وقرأ نافع " هو أذن قل أذن خير " بإسكان الذال فيهما . ومعنى " أذن خير لكم " أي : أذن خير ، لا أذن شر ، يسمع الخير فيعمل به ، ولا يعمل بالشر إذا سمعه . وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وابن يعمر ، وابن أبي عبلة " أذن " بالتنوين " خير " بالرفع . والمعنى : إن كان كما قلتم ، يسمع منكم ويصدقكم ، خير لكم من أن يكذبكم . قال أبو علي : يجوز أن تطلق الأذن على الجملة ، كما قال الخليل : إنما سميت الناب من الإبل لمكان الناب البازل ، فسميت الجملة كلها به ، فأجروا على الجملة اسم الجارحة لإرادتهم كثرة استعماله لها في الإصغاء بها . ثم بين ممن يقبل ، فقال ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) قال ابن قتيبة : الباء واللام زائدتان ،